



عن الســينما نتحدث..






ولكن هل استطاع الفيلم أن يعبر عما يريده بهذه الصورة المكتملة؟
الأمر المحزن أن الناتج النهائي لم يكن بالروعة المنتظرة. بل أن الكثيرين قد خرجوا من قاعة السينما أثناء العرض وبعده ساخطين على الفيلم. ويمكنني أن أتفهم موقفهم تماما. فمخرج الفيلم وكاتبه لم يستطيعوا أن يتخطوا عدة حواجز كما فعلها البطل. ولعل هذه الحواجز هي ما وقفت في طريق وصول العمل للجمهور بالصورة التي أرادها صناعه..
الحاجز الأول.. حاجز التعاطف



أحد أهم العناصر التي يجب أن يتمتع أي مخرج بالقدرة على التحكم فيها وتطويعها هو عنصر الإيقاع. فاختيار الإيقاع الخاطئ يمكن أن ينسف أي فيلم من أساسه. وهو أول ما بدر لذهني عندما شاهدت خلال أقل من شهر فيلمي المخرج محمود كامل الثاني والثالث (أدرينالين) و(عزبة آدم). والحقيقة أن الاستنتاج النهائي لمشاهدة العملين وربطهما بالعمل الوحيد السابق للمخرج (ميكانو) يجعلني أعتقد بشدة أن حظ محمود كامل من الأدوات الإخراجية لا يوازي إطلاقا حظه مع شركات الإنتاج والتوزيع!
عناصر المأساة اكتملت بفيلم (عزبة آدم) فعلى العكس تماما من (أدرينالين) فالسيناريو هنا يحمل نواة لفيلم جيد المستوى، وهو سيناريو ملحمي به العديد من الشخصيات التي تربط بينها علاقات ومصالح مختلفة ومتداخلة. وسيناريو من هذا النوع يحتاج بشدة لإيقاع بطيء لكي يبرز هذه العلاقات، ويشبع شعور المتلق بالحدث حتي يمكن الانطلاق من هذا التشبع لوقوع حدث جديد مبني على سابقه. وإذا بالمخرج يختار إيقاعا سريعا للأحداث. وسريع هنا هو الكلمة السحرية التي قضت على أي شبهة توحد بين المشاهد وأبطال الحكاية. فمن غير المنطقي تماما أن يعرف المشاهد لأول مرة أن البطل يعرف البطلة في مشهد، ثم يعرف أنهما يحبان بعضهما حبا عفيفا في المشهد التالي، وأن الضابط يقف في طريق هذا الحب في المشهد الذي يليه. ثم تأتي عملية سرقة سريعة تستغرق خمس دقائق تليها بمؤامرة سريعة أيضا تنتهي بالزج بالبطل في السجن في تهمة لم يرتكبها. كل هذا الكم من الأحداث فيما لا يتعدى الربع ساعة. ثم نطلب من المشاهد أن يتوحد مع البطل ويشعر بمأساة التفريق بينه وبين حبيبته. هو أمر متعارض مع قواعد السينما ومع آليات عمل العقل البشري من الأساس.
فيلم مقزز.. ليس لاحتواءه على كل هذا القدر من العري (فالمفترض أنه ينتمي لنوع من الكوميديا يعتمد على ذلك).. ولكن لسوء توظيف هذه المشاهد، واقحامها بالقوة في سيناريو ضعيف بالأساس. مع طاقم تمثيل سيئ، ونهاية عجيبة، يليها تتابع ختامي أعجب يجمع كل مشاهد العري بالفيلم. يصبح المكان المثالي لمثل هذا الفيلم هو صفيحة القمامة.


"لماذا يهز الكلب ذيله؟
- لأن الكلب أذكى من ذيله.. فلو كان الذيل أذكى.. لهز الذيل الكلب"
يبدأ الفيلم بكتابة السؤال والإجابة السابقين. وهما يلخصان بعبقرية ما أراد صنع الفيلم قوله على عدة مستويات. والمعنى ببساطة أننا لا نتحكم في الأشياء التي نصنعها لمجرد أننا صنعناها.. بل لأننا أذكى منها.. وإذا انقلبت الآية وتفوقت هذه الأشياء علينا في الذكاء.. فسيكون بإمكانها أن تتحكم في صناعها وتغير مصائرهم. الطرح السابق يمكن تطبيقه في (Wag The Dog) على ثلاثة مستويات..
المستوى الأول: مستوى الحكاية الرئيسية
حكاية شديدة الغرابة والطرافة.. قبل انتخابات الرئاسة الأمريكية بأحد عشر يوما، وفي الوقت الذي يتقدم فيه الرئيس الحالي الاستطلاعات بفارق مريح.. تتهمه أحدى الفتيات بمحاولة التحرش بها جنسيا. وهو الاتهام الكفيل بتدمير شعبيته والإطاحة به من البيت الأبيض. خاصة وأنه لا يوجد وقت للتحقيقات وإثبات مدى صحة الاتهام. فيتوصل أحد مساعدي الرئيس "روبرت دي نيرو" لخطة عبقرية للتغلب على الأزمة.
يمتلك الرئيس شعبية عالية بالفعل، وكل ما يتطلبه الأمر هو الحفاظ على هذه الشعبية لأحد عشر يوما هي الباقية قبل الانتخابات. فالحل الوحيد للتغلب على الكلب (الرأي العام الأمريكي هنا) هو أن تجعله يصنع بنفسه ذيلا أذكى منه. ليتحكم هذا الذيل في الرأي العام ويوجه أنظاره بعيدا عن فضيحة الرئيس الجنسية. ولا يوجد ما هو أضخم من انتهاك الأمن القومي بصورة خطيرة تجبر الولايات المتحدة على دخول حرب. وبالفعل يستعين المساعد بمنتج هوليوودي شهير "داستن هوفمان" ليبدءا معا رحلة خلق حرب كاملة في عالم الخيال. معتمدين فيها على حقيقة أن الشعوب تتذكر أجواء ورموز وشعارات الحروب أكثر مما تتذكر الحرب نفسها!.. ما عليك إلا أن تختلق الأزمة، وتغرق الشارع الأمريكي بأغاني وشعارات للحرب، وتخلق لهم بطلا قوميا يشغل تفكيرهم.
تسير الخطة بالفعل. وتتعرض أثناء تنفيذها للعديد من العقبات التي يتغلب عليها المنتج بخبرته الطويلة. خاصة وأنه يتعامل مع الأمر باعتباره فيلما ضخما يشرف على صناعته. ونرى في المشاهد الأخيرة ما يؤكد نجاح الخطة ونجاح الرئيس في الانتخابات. بينما يجلس بعض المحللين يتحدثون عن سيطرة الإعلام والإعلانات على عقول الأمريكيين. قاصدين بذلك مجموعة الإعلانات السخيفة التي أنتجها فريق عمل الرئيس كدعاية إنتخابية له قبل وقوع الأزمة.
التطبيق السابق لقضية الفيلم يقترب بنا كثيرا من إطار رواية "جورج أورويل" الشهير (1984). والتي يتحدث فيها عن سيطرة الإعلام على عقول الناس. لدرجة تجعله يوجههم لاختيارات وأفعال وآراء معينة، وهم مقتنعون تمام الاقتناع بأنها أراءهم الشخصية. وهو التفسير الذي ذكره معظم من تناولوا الفيلم بالتحليل. وإن كنت أعتقد أن صناع الفيلم كانوا يقصدون مستوى آخر من التطبيق.
المستوى الثاني: مستوى بطل الحكاية
والبطل هنا هو المنتج الهوليوودي الشهير. والذي نستشف من كل الجمل الحوارية التي يتحد فيها عن عمله بصناعة السينما أن مشكلة حياته الأزلية هي كونه أذكى بكثير من الأفلام التي يقدمها ومن دوره في الصناعة كمنتج وممول. فنراه يسخر من عدم حصول أي فيلم من إنتاجه على جائزة الأوسكار بالرغم من كونه أحد أعضاء الأكاديمية مانحي الجائزة. ونراه يستغرب من عدم وجود جائزة أوسكار لأفضل إنتاج بالرغم من أن وجود جوائز لكل فئات العمل السينمائي. ويذكر بمرارة أن النقاد قد مدحوا الملابس في فيلمه الأخير ولم يتطرقوا لمن دفع ثمن هذه الملابس. فالبطل هنا يعاني من أزمة واضحة هي فقدان التقدير الكافي لشخص في قدر ذكاءه (وهو الذكاء الذي نراه بأنفسنا في قدرته على التعامل مع الأزمات في الفيلم).
نجد أن الحل الوحيد بالنسبة للمنتج أيضا هو أن يقدم ولأول مرة في حياته عملا أذكى منه. أي أن الكلب هنا هو صانع الأفلام التي لم يستطع اي منها أن يهزه. ولذلك يقدم على صنع هذا الفيلم السياسي الخيالي ليس حبا في الرئيس، ولا طمعا في المال (فهو لا يحتاجه بدليل تعليق المساعدة قبل ظهوره بأن قصره اكبر من البيت الأبيض)، ولا رغبة في المنصب الديبلوماسي الذي وعده به مساعد الرئيس. هو يريد أن يصنع فيلم حياته.. فيلم يشعره بالإبداع والتقدير الذي افتقده طوال حياته.
وبالفعل يتمكن من تحقيق حلمه فيصنع فيلما يغير تاريخ السياسة الأمريكية. حتى أنه قد وصف الخدعة في أحد المشاهد الأخيرة بأنها (أفضل فيلم قام بصناعته). ولكن الأزمة تظهر من جديد لأن الذيل (الخدعة) كان اذكى بكثير من صانعه. وذكاء الخدعة الشديد جعل البطل غير قادر على تنفيذ وعده بالحفاظ على سرية الأمر. فالذيل الذكي قد مسّ الجانب الأضعف في شخصية المنتج وهو الرغبة في التقدير. فلم يكن في استطاعته أن يسكت وهو يرى نجاحه العظيم ينسب لمجموعة من الإعلانات الدعائية السيئة. فأصر على إعلان المر رغم معرفته بأن هذا سيكلفه حياته.
والمشهد الأخير يلخص القضية والتي كانت هنا أشبه بالمأساة. فالخدعة التي فاقت صاحبها ذكاءا أدت لأن يذكر نبأ وفاته كخبر عابر لم يتعد بضعة ثوان. في حين بشاهد العالم كله جنازة عسكرية للشخص المجنون الذي صنع منه بطلا شعبيا أمريكيا. وأعتقد أن هذا التطبيق هو الذي أراده صناع الفيلم كما تشير المشاهد الأخيرة خاصة مشاهد تزامن جنازتي المنتج والبطل الشعبي. وهو أمر يقودنا بدوره إلى مستوى التطبيق الثالث.
المستوى الثالث: مستوى تلقي الفيلم
وهو الأمر الطريف في الفيلم. وهو أن حكايته والقضية التي يطرحها يمكن تطبيقها بحذافيرها على الفيلم نفسه، وعلى مستوى تلقي المشاهدين له. فالكلب هنا هو حكاية المنتج والتي أراد صناع الفيلم أن يقدموها كصورة لتحكم الشيء في مصير صانعه. والذيل هو الطريقة التي تم تقديم هذه الحكاية بها.
وقد جاء الذيل هنا (حكاية الحرب المختلقة) بشكل أذكى وأوضح من الكلب أو الخط المستهدف (حكاية المنتج). مما أدى لانصراف الجمهور عن الفكرة الرئيسية للفيلم وتعاملهم مع قضية الاعلام باعتبارها القضية الأساسية للفيلم.
وبغض النظر عن المستويات الثلاثة لفكرة الفيلم. يبقى (Wag The Dog) واحدا من أهم أفلام التسعينات. سواء على صعيد طاقم الأبطال، أو الحبكة الدرامية، أو الطرح الفكري للعمل.