Tuesday, February 23, 2010

رسائل البحر.. في رثاء الجمال وذم القبح وعشق داوود عبد السيد


Avant-Titre

يتوجب على السيد "خالد يوسف" - لو كان يعرف ألف باء اللغة السينمائية – أن يوقف التعامل تماما مع الممثل الشاب "رامي غيط". فما فعله "رامي" هنا هو طعنة قاتلة في ظهر مكتشفه!

Titre

هذه ليست مراجعة نقدية. وكما هو واضح من العنوان فالسطور التالية ستكون كلها في صف "داوود عبد السيد". فعلى من يبحث عن سلبيات فيلم (رسائل البحر)، أو يرغب في قراءة انتقاد لمخرجه. أن يتفضل مشكورا بغلق الصفحة لأنه لن يجد ضالته هنا. وما سأحاول تقديمه هو قراءة لمعاني الفيلم. ليست قراءة كلية بالطبع لأن داوود عبد السيد عودنا دوما أن تحمل أفلامه العديد والعديد من القراءات. ولكنها مجرد محاولة لفهم (رسائل البحر). الفيلم الثامن للرجل الذي كنت ولازلت أؤمن بأنني أقل بكثير من أن أقوم بانتقاده.

رسالة رقم (1)

في مشهد بديع تجلس "نورا/ بسمة" وراء زجاج أحد المطاعم الكلاسيكية الراقية الشهيرة بالأسكندرية. تشرب قهوتها وهي تتابع عبر الزجاج مشاجرة بين أربعة من أطفال الشوارع من أجل علبة كشري. بينما نسمع على شريط الصوت حكاية معاناتها من الملل ومحاولة قتل الوقت. وبأنها تفكر أحيانا أنها كان من الممكن أن تكون أحد هؤلاء الأطفال وهو ما يساعدها قليلة على التغلب على شعور الملل.

ملاحظتين بسيطتين على المشهد.. الملاحظة الأولي هي أنه المشهد الذي يفصل جزئي الفيلم. ولمزيد من الدقة هو المشهد الذي يتغير فيه راوي الأحداث من "يحي/ آسر ياسين" إلى "نورا". وهي الوسيلة التي اختارها "داوود عبد السيد" للفصل بين الجزء الأول الذي يقوم السرد فيه على استكشاف العالم بعيني البطل البرئ، والجزء الثاني الذي نتوصل فيه لنتائج عبر عيني البطلة الأكثر خبرة بالحياة.

الملاحظة الثانية هي أن مشهد مشاجرة أطفال الشوارع مأخوذ بالكامل تقريبا من أحد أفلام "خالد يوسف". وهو مشهد لم يتخط ثوان قليلة لكنه مختلف بالكامل عن الروح البصرية الراقية التي تحملها كل مشاهد الفيلم حتى التي تم تصويرها في الحي الشعبي أو في الكباريه.

باختصار شديد.. البطلة تشعر بالملل وعدم التحقق، وتعيش معزولة عبر جدارن وزجاج المكان الراقي عما يحدث في الشارع. وتطل عبر النافذة على القبح الذي سيطر على كل شيء. فتهون من ألمها الداخلي حقيقة تميزها بعدم الانتماء لهذا القبح!


هي الرسالة الكلية

ويتفق ما نراه على طول شريط الفيلم مع الرسالة التي يحملها المشهد السابق. فمنذ الدقيقة الأولى وحتى مشهد النهاية العبقري يقوم "داوود عبد السيد" بالكشف عن مدى عمق مستنقع القبح الذي أصبحنا متورطين داخله بشكل يومي. بعدما اختلت كل المعايير في الأذهان. وأصبحت قيمة الجمال مصدرا للسخرية من كل فئات "المجتمع الجديد".

فمن أهم سمات المجتمع القبيح أن تكون علاقة أفراده بالأشياء ووبعضهم علاقة وظيفية تماما. تعتمد على حسابات المكسب والخسارة. حتى لو كان الثمن هو القيم والأخلاق والذكريات والجمال. فعلى مدار أكثر من ساعتين يطلعنا "داوود" على نماذج متتالية لأشياء كانت في الماضي تتعلق بقيم المجتمعات الراقية. فأصبحت الآن ممسوخة وعديمة الطعم كما تمليه قواعد المجتمعات القبيحة.. عفواً..المجتمعات الحديثة.

البيت بديع المعمار.. الذي يحمل بخلاف معماره الخلاب ذكريات الطفولة.. ومذاق القبلة الأولى.. ورحيق السنوات التي مضت. تقتضي قواعد المجتمع الحديث أن يتم هدمه ليتحول لمبنى أكثر وظيفية هو المول. وعلى البطل أن يضحى بكل ذكرياته في مقابل الحصول على "عيادة في الإداري" الخاص بالمول. فهي بالطبع تساوي في نظر المجتمع أضعاف أضعاف تفاهات الذكريات.

الزواج.. العلاقة التي يقول عنها تاريخ الانسانية أنها ملاذ يسكن إليه شخص بآخر.. ليخرجا للعالم شخصا يحاولان أن يجعلاه أفضل منهما. أصبحت بحكم شريعة المجتمع الجديد إلى ماهو أشبه بالعهر. مجرد علاقة جنسية تهدف للاشباع الغرائزي "الوظيفي". في مقابل ضمان الأمان المادي "الوظيفي أيضا" للزوجة.

حتى الحياة نفسها.. حولوها لحياة وظيفية تتعلق بقدرة الجسم البشري على الأكل والشرب والنوم والاستيقاظ. حتى لو كان هذا على حساب الذكريات. فصديق البطل "قابيل/ محمد لطفي" يجد نفسه مجبرا على إجراء جراحة ستضمن لجسمه الحياة، ولكنها ستسلبه ذكرياته كلها. وهو المشهد الأهم الذي يجسد لنا "داوود" فيه مأساة أن تكون الحياة بمفهومها الحديث هي مرادف تام للموت!



وأين نحن من كل ذلك؟

البقية المتبقية من محبي الجمال ورافضي فكرة موته لحساب قيم أكثر رداءة وقبحا. والذين يقابلهم المجتمع بكل هذه المعان المتبدلة. يرينا الفيلم أن هذه الشريحة النادرة من البشر تعاني الانعزال كل يوم أكثر من سابقه. فتعلثم البطل في النطق هو رمز لفقدان التواصل.. لكون الأفكار التي يحملها هؤلاء البشر تبدو شديدة الغرابة وعسيرة الفهم على آذان العامة من أبناء المجتمع القبيح. ولا تستدعي منهم سوى السخرية بصورة تدفع عشاق الجمال يوما بعد الآخر للانعزال عن الجميع. مع أحلام بالقدرة على التواصل في يوم من الأيام. فيحي يقول أنه "بيتهته وهو بيتكلم مع الناس، ومش بيتهته وهو بيتكلم مع نفسه.. بس هو عايز يتكلم مع الناس، مش مع نفسه"!

وهل سنصل لهذا التواصل؟

بكل أسف يري "داوود عبد السيد" أن الوصول لهذا التواصل أصبح مستحيلا. وأن القبح يبسط سيطرته يوما بعد يوم على حياتنا. ويحول كل تفصيلة جميلة إلى نقيضها تماما. فالفيلم ينتهي بتحويل الغرفة الصغيرة في بئر سلم البيت. والتي كانت مكانا لقبلات يحي وكلارا الأولى، وموطنا من مواطن اكتشاف الجمال في الحياة. إلى سكن قبيح لبواب أكثر قبحا "هو رامي غيط الآتي من عالم خالد يوسف السينمائي". والذي لا يكتفي بتشويه الصورة الممتعة، بل يقف ليتشدق بقيمه السوقية محاولا فرضها بالقوة على الشخص الوحيد من السكان الذي لم يستسلم بعد لضغوط المجتمع الحديث.



إذا فما هو الحل؟

هل يعني ما سبق أن علينا الاستسلام؟ وهل فقدان الأمل في إصلاح المجتمع يعني أن نتحول لنصبح مثل أفراده؟ بالطبع لا يمكن أن تكون هذه هي وجهة نظر "داوود عبد السيد". والذي يطرح لنا الحل الشديد البساطة والعبقرية في آن واحد. علينا بالبحث عن بعضنا.. ومن يعثر على شخصا آخر من هؤلاء النادرين.. فعليه أن يتعلق به ولا يتركه.. يحبه ويتمتع بصحبته.. يتواصل معه ليشعر بآدميته التي يصر الجميع على قتلها. وعندها فقط ستتمكن من التخلص من شعور العزلة.. بالضبط كما تمكن "يحي" من الحديث مع "نورا" بدون تهتهه!

بالطبع هو ليس حلا جذريا.. ولكنه كاف جدا للتعايش. فقابيل لا يزال مجبرا على الخضوع للجراحة الخطيرة. ولكن أمرها أصبح سهلا بعثوره على "بيسة/ مي كساب" التي سيساعدها حبه لها وحبها له على التخلص من نتائج العملية. وصاحب البيت ابن المجتمع القبيح سيظل يصطاد صيده "الوظيفي" باستخدام الديناميت. ولكن وسط هذا القدر الضخم من السمك المقتول سنجد "يحي" و"نورا" سعداء بكونهما معا.. مستمتعين رغم القبح.. وصامدين رغم ما نراه حولنا كل ثانية من أمثال الحاج هاشم هادمي البيوت الجميلة، وأصحاب محلات السوبر ماركت الاستهلاكية، وقاتلي السمك بالديناميت.

Thursday, December 24, 2009

بالألوان الطبيعية.. أشباح يوسف وحواجز أسامة فوزي


(يوسف والأشباح) هو الاسم الأصلي لفيلم المخرج أسامة فوزي الجديد. والذي صناع الفيلم تبديله باسم (بالألوان الطبيعية). والسبب الوحيد الذي أراه ممكنا هو اعتقادهم بأن الاسم الثاني مناسب أكثر لمقاييس السوق والنجاح التجاري. لأن كل المقاييس الفنية والمنطقية الأخرى تميل لمصلحة الاسم القديم. الذي يشير ببساطة للصراع الأساسي والأبدي في الفيلم بين الفنان "يوسف"، والأشباح الأربعة التي تحيط به.

وإذا كان أسامة فوزي قد قام في فيلمه الثاني (جنة الشياطين) بتحطيم كل القيم الإنسانية والمجتمعية التي نشأنا وتربينا على كونها القيم الصحيحة. عبر قصة البطل الذي يكتشف السعادة في حياته وبعد موته عندنا يثور على كل القيم السائدة، ويقرر تحطيم كل قيود الأسرة والمال والمركز الاجتماعي بل والأخلاق والدين. ليعيش حياته بالشكل الذي يحلو له. فإن أسامة ومعه السينارست هاني فوزي يتجهان بالحكاية في الفيلم الجديد لمنعطف أكثر تخصصا. ربما كان يمس المخرج شخصيا بشكل مباشر. عبر محاولة فهم العلاقة التي تربط الفنان صاحب الموهبة (وهو يمثل بالتأكيد خطوة أكثر تقدما في الإنسانية عن البطل في جنة الشياطين) بما يحيط به من هواجس وقيود تقف في معظم الوقت في طريق تحققه الفني.

فالبطل هنا هو بوسف (كريم قاسم). الذي ندرك منذ اللحظات الأولى للفيلم أنه موهوب بالفعل. وأن الموهبة التي يمتلكها (بصورة خارجة عن إرادته وربما خارجة عن رغبته) هي التي تحركه ليتخذ قرار الالتحاق بكلية الفنون الجميلة. وهي الخطوة التي اتخدها ضد رغبة الشبح الأول ضمن الأشباح الأربعة التي تظهر له تباعا في الفيلم محاولة توجيهه لما يمثله كل شبح منها من قيمة انسانية واجتماعية. وهو ما سنتناوله بالتفصيل..


أشباح يوسف
الشبح الأول: العلاقات الأسرية / شبح الأم

أم تتمنى أن يحقق ابنها مجموعا كبيرا في امتحان الثانوية العامة ليلتحق بكلية الطب. وترفض التحاقه بكلية الفنون الجميلة باعتبارها مكانا سيفسد أخلاق الابن. وهي أول شبح يظهر ليوسف محاولا تغيير قرارته. فالدور الذي تلعبه انتصار يمثل قيود العلاقات الأسرية والارتباط الاجتماعي. كأول قيد يراه أسامة فوزي في حياة الموهوب. وكم من موهبة ضاعت بسبب إلتحاق أصحابها بدراسة أو مهنة أخرى بسبب إلتزامهم بما تمليه عليهم الأسرة من تفصيلات!

الشبح الثاني: الدين / الداعية

هل يصلح الدين ليكون مقياسا للحكم على الفن؟ وهل يستطيع الفنان إذا ما استخدم حدود الدين كحدود شخصية له لا يتخطاها في إبداعه أن يعطي كل ما عنده؟ سؤال يجيب عليه المخرج بالرفض القاطع عبر مشهد بديع يجيب فيه الداعية عن استفسار بمدى مشروعية الفن الذي يدرسه البطل في الكلية بأن يطلب منه الابتعاد عن الفنون الغربية الكافرة والتعلم من العمارة الإسلامية البديعة. في نفس الوقت الذي يشير فيه لعمارة سقف المسجد حديث البناء الذي لا يمكن أن تمثل أي شكل من أشكال الفن!. وهي المفارقة التي تعكس بعبقرية وبأقل قدر من الخطابة استحالة الحكم على الفن بمقاييس الدين.

الشبح الثالث: الجنس / العاهرة

والحاجة للجنس حاجة أساسية للفنان والمبدع كما هي في حياة أي إنسان. ولكن إلى أي مدى يجب أن يسمح الموهوب للجنس وما يترتب عليه من ارتباط والتزامات بالتأثير عليه والتحكم في مسار قرارته. وعبر ثلاث حكايات ترصد تطور علاقة يوسف بالجنس (الزميلة والعاهرة والمُعيدة) يؤكد الفيلم في النهاية على ضرورة تخلص المبدع من قيود الجنس، وما يترتب عليه من التزامات. وذلك في سبيل تحقق البطل فنيا في النهاية.

الشبح الرابع: المهنية وحسابات السوق / الموديل

فالفنان كأي إنسان يحتاج أن يكسب المال لكي ينفق على احتياجاته الأساسية. بل أنه يحتاج المال بصورة أكبر من الشخص العادي قياسا بأن ممارسة الفن تحتاج لظروف مريحة تتيح للموهوب إخراج أفضل ما بداخله. ولكن كسب المال يحتم على الفنان الدخول في عجلة حسابات السوق والانخراط بها. مما سيأخذ بالتأكيد من طاقة ووقت الموهوب، وسيؤثر بالتدريج على موهبته بشكل سلبي. كما شرح الأستاذ والوالد الروحي (محمود اللوزي) ليوسف في أحد المشاهد الجيدة بالفيلم. ولكن على الطرف الآخر يقف الشبح الرابع (سعيد صالح). الفنان الذي لم يستجب لحسابات السوق لينتهي به الأمر بخلع ملابسه أمام الطلاب ليقوموا برسمه دون أن يكنون له أي قدر من الاحترام. وشخصية الشبح الرابع هي أكثر الشخصيات تأثيرا على حياة البطل. وهي التي أخذت أكبر وقت من شريط الفيلم حتى يتمكن يوسف من التغلب عليها (وربما لهذا السبب قلت أن الفيلم يمس جانبا شخصيا في حياة مخرجه!)


الذين سقطوا في الطريق
لم يفت على أسامة وهاني فوزي بالطبع الانتباه لحقيقة هامة. هي أن كلام الأشباح الأربعة منطقي للغاية. بل هو الأكثر منطقية وقربا من أذهان المشاهدين. فرضا الأم ورضا الرب والحياة الكريمة والجنس كلها أمور جليلة تستحق أن توجه معظم تصرفات البشر (وهو ما يحدث في حياتنا اليومية بشكل جماعي). ولذلك كان من الضروري أن يؤكد الفيلم على أن الأمر يخص شريحة معينة من البشر هي الموهوبين والمبدعين. وكان على كل الشخصيات المتواجدة في كلية الفنون باستثناء البطل ووالده الروحي أن يسقطوا خلال الطريق في عقبة أو أكثر من الأربعة. وذلك ليفهم المتلقي أن المقصود هو الفنان الذي لايعني إلتزامه بما يمليه عليه رأي الجماعة أن يكون سعيدا. بل أن العكس هو الصحيح في معظم الأحيان.

ففخ الدين سقطت فيه حبيبة البطل (يسرا اللوزي). والتي تخلت في سبيله عن حبها وحلمها وموهبتها ومستقبلها. لينتهي بها الأمر كفتاة منقبة تعيش منعزلة عن العالم، وتدرس في قسم لا يتفق مع موهبتها ورغبتها. فقط لأنها تراه القسم المتناسب مع تدينها.

وفخ الجنس سقط فيه صديق البطل وصديقته (رمزي لينر وفرح يوسف). وتطور معهما عندما لم يقفا في طريقه ليقودهما لفخ آخر هو العلاقات الأسرية والاجتماعية. عندما تحمل الفتاة وترفض التخلي عن الجنين، ويرفض الأب الاحتفاظ به ولكنه يغير رأيه ويحاول استعادة ابنه بعد فوات الأوان. لينتهي الأمر بالفتاة بأن تهرب لأوروبا مع رضيعها دون أن نعلم إذا ما كانت قد حصلت على مؤهلها الدراسي أم لا. وينتهي الأمر بالأب محطما يريد الوصول لابنه بأي طريقة ممكنة وهو أمر يبدو مستحيلا.

أما عن فخ المهنية وحسابات السوق فحدث ولا حرج. فقد سقط فيه تقريبا جميع شخصيات الفيلم. من العميد الذي يسخر الطلبة لرسم لوحات يبيعها لحسابه. للطالب الذي يوافق على أن يعامله الأساتذة كخادم لهم أملا في التعيين بالجامعة، ويرسم في نفس الوقت لوحا دينية منخفضة المستوى الفني ليبيعها في السوق. للمعيدة التي تمنح جسدها لكل من يمكن أن يفيدها في مشوارها المهني. وصولا للطلبة الذين أضاعوا موهبتهم في تقليد لوحات العميد من أجل المال. وبالطبع فقد فشل كل من سقط في تحقيق أهدافه. فاكتشف العميد أن أمره مفضوح للجميع. وبالتالي فلم يتم تعيين الطالب في سلك الجامعة. ولم تتمكن المعيدة من الحصول على الماجستير. وقس على ذلك كل من سقطوا في طريق التمسك بالموهبة.

الرسالة.. الخلاص والتحقق

يتبنى الفيلم في نهايته نظرة إيجابية بأن المبدع قادر على التخلص من كل العوائق السابقة، والحصول على حريته الكاملة بعيدا عن أي ارتباط يجذبه لأسفل. فيوسف تخلص من هواجسه الأسرية والتحق بالجامعة. وتخلص من هواجسه الدينية واقتنع بمشروعية ما يفعله. وتخلص من هواجس الجنس بتركه للمعيدة. وأخيرا من هواجس المهنية والسوق برفضه للالتحاق بسلك الجامعة. لينتهي الفيلم والبطل يشعر بالسعادة الكاملة لأول مرة. ولاعجب أن السعادة جاءته وهو يقف حرفيا في جزيرة بمنتصف الماء. بمعزل عن أي قيد أو التزام يحد من حريته. ولا عجب اكثر أنها هي اللحظة التي نال فيها رضا جميع الأشباح. الذين يأتون واحدا تلو الآخر ليقفوا بجواره معلنين رضاهم عما وصل إليه.


ولكن هل استطاع الفيلم أن يعبر عما يريده بهذه الصورة المكتملة؟
الأمر المحزن أن الناتج النهائي لم يكن بالروعة المنتظرة. بل أن الكثيرين قد خرجوا من قاعة السينما أثناء العرض وبعده ساخطين على الفيلم. ويمكنني أن أتفهم موقفهم تماما. فمخرج الفيلم وكاتبه لم يستطيعوا أن يتخطوا عدة حواجز كما فعلها البطل. ولعل هذه الحواجز هي ما وقفت في طريق وصول العمل للجمهور بالصورة التي أرادها صناعه..

الحاجز الأول.. حاجز التعاطف

وهو حاجز توافر أيضا بصورة أو بأخرى في (جنة الشياطين). ولكنه في (بالألوان الطبيعية) كان أعلى بكثر. فالفيلم يدين الجميع بلا استثناء. ويقول ببساطة أن جميعنا مذنبون. الفنان الحقيقي والفنان الزائف.. الداعية الديني والعاهرة.. عضو هيئة التدريس والطالب.. الكل بلا استثناء مخطىء بخلاف البطل. الذي يحتاج هو الآخر للعديد من الاختبارات والسقطات حتى يصل لذلك. وبالتالي فإن الفيلم قد فقد تماما تعاطف المشاهد بشكل كامل. والقاعدة تقول أن المشاهد يجب أن يتعاطف مع بعض الجوانب الايجابية في شخصيات العمل حتى وإن كانوا شياطين. وهو مالم يتحقق هنا على الإطلاق. فاستطيع أن أجزم أن كل من شاهد الفيلم قد شعر أن الفيلم يدينه ويسخر منه بشكل أو بآخر. وهو شيء قد يكون مقبول فنيا ولكنه يأتي بالطبع على حساب انطباع المشاهد عن الفيلم.

الحاجز الثاني.. حاجز الوسيلة

فالفيلم وإن كان يتحدث عن الفن والموهبة بشكل عام إلا أنه قد اختار الفن التشكيلي كوسيلة للتعبير عما يريد قوله. والفن التشكيلي أحد أكثر أشكال الفنون تجريدا. ويمتاز بسمتين أساسيتين الأولى هى حاجة المتلقي لحد أدنى من المعرفة بقواعده ليتمكن من فهمه، والثانية هي اختلاف تفسير المتلقين للعمل حسب رؤيتهم ومرجعيتهم الشخصية. واعتماد الفيلم على هذا الفن تحديدا وضع عائقا بين المشاهد وبين الوصول لما يريده المخرج. فلم يستطع معظم المشاهدين من معرفة سر وقوع المعيدة في حب البطل دون أن تشاهده بمجرد رؤيتها للوحة التي رسمها (والتي تبدو شبيهة جدا بباقي لوحات زملائه). واختلف الجميع على سر اللوحة التي رسمها يوسف للعاهرة (منى هلا) والتي دفعتها للتوبة بمجرد مشاهدتها. وهل هذه التوبة والتطهر سببها أن اللوحة رائعة تظهرها جميلة جدا.. أم لأن اللوحة سيئة تظهر القبح الموجود داخلها؟ (والأخير هو تفسيري الشخصي). وهل شخصية العاهرة تملك من الأساس الخلفية والاستعداد النفسي الذي يجعلها تتطهر من الإثم بمجرد مشاهدة لوحة؟

وعلى هذا المنوال تسير كل المشاهد التي كانت اللوحات الفنية هي المحرك لها. اللهم إلا مشهدين الأول هو مشهد العتاب بين البطل ووالده الروحي والذي قام فيه الأستاذ (محمود اللوزي) بترتيب جودة اللوحات للبطل حسب ترتيب رسمها فساعد المشاهد على التلقي. والمشهد الآخر هو مشهد التحكيم الذي شرح فيه البطل ما أراده بلوحة الكوميديا الإلهية. والتي كانت فيه اللوحة مبهرة بحق وساعدها شرح البطل لتوصيل المعنى بالكامل للمشاهد.

الحاجز الثالث.. حاجز الخطابة

يمكنني الآن تذكر عشرين مشهد على الأقل من الفيلم يقوم فيها أحد الأبطال بإلقاء منولوج طويل. سواء كان هذا المونولوج موجها لشخصية أخرى، أو كان مناجاة مع الله. عدد ضخم من المونولوجات التي استخدمها صناع الفيلم بإفراط في التعبير عن مشاعر الشخصيات وقناعاتهم بل وسرد ماضيهم. وأنا لست ضد استخدام المونولوج في السينما بالرغم من انتماءه بالأساس لفن المسرح وبعده عن بصرية فن السينما. ولكن هذا القدر المبالغ فيه لابد وأن يعكس (وآسف جدا على قولها) عجزا من المخرج على تقديم نفس المعلومات بصورة بصرية. ويمكنني ببساطة أن أعلم ان اي شعور بالملل قد وصل للمشاهدين من الفيلم كان سببه هذه المشاهد.

الحواجز الثلاثة السابقة ساهمت بشدة في عدم خروج المشاهدين وهم راضين عن العمل. وهي نفس الأسباب التي جعلتني أشعر بالإحباط من مستوى الفيلم الذي انتظرته طويلا نظرا لإيماني الكامل بموهبة مخرجه. والفيلم إذا تمت مقارنته بأغلب الأفلام المصرية في الأعوام السابقة سيكون الأفضل. ولكن إذا قمنا بمقارنته بأعمال مخرجه الثلاثة السابقة والتي تم عرض آخرها قبل ما يزيد عن خمسة أعوام. فسيأتي –للأسف- في المركز الرابع!

ملحوظة أخيرة.. رمزي لينر.. تذكروا هذا الاسم جيدا. فهو مشروع لممثل هائل. أعتقد أنه سيكون له شأن كبير في الأعوام القادمة.

خواطر إسبوع سينمائي جدا


بانوراما الفيلم الأوروبي، أسبوع السينما الفلسطينية، العرض الخاص بفيلم (بالألوان الطبيعية).. ثلاثة أحداث سينمائية هامة شهدتها القاهرة خلال الأسبوع الماضي. بمجموع بلغ 22 فيلما هاما. تمكنت من مشاهدة نصفها تقريبا وكان لدي هذه الملاحظات..

أولا.. سيكون من باب تضييع الوقت أن أتحدث عن سوء التنسيق بإقامة الأحداث الثلاثة في نفس الوقت. وهو نفس الأسبوع الذي أقيم به حدث رابع أقل أهمية (مهرجان أفلام حقوق الإنسان). ولكن الوقت الذي ضاع فى محاولة الانتقال داخل القاهرة المزدحمة من سيتي ستارز إلى دار الأوبرا المصرية والعكس طوال أيام الإسبوع يعطيني الحق في أن أضيع ثوان قليلة للاعتراض على سوء التنسيق.

ثانيا.. بعيدا عن التنسيق السيء يمكنني ببساطة اعتبار البانوراما وأسبوع السينما الفلسطينية أهم حدثين سينمائيين شهدتهما القاهرة خلال 2009. نظرا للمستوى المرتفع لمعظم الأعمال المعروضة. وبالفعل كانتا احتفاليتين ممتعتين لكل محبي السينما الجميلة الذين خرجوا لأيام قليلة من نطاق السينما التحارية المصرية والأمريكية المسيطرة على حياتنا.


ثالثا.. بالنسبة لي كان (الزمن الباقي) هو كلمة السر في الاسبوع. ففيلم المخرج الفلسطيني الكبير (إيليا سليمان) الكوميدي الرقيق. الذي يؤرخ لأزمة الصراع الفلسطيني الاسرائيلي بصورة شديدة الهدوء، وبعيدة كل البعد عن السياسة المباشرة والخطابة. عبر تأريخ لتجربة حياة أسرة المخرج نفسه بدأ من والده (فؤاد سليمان) الذي شهد حرب 1948، ووصولا ليومنا الحالي. عبر صورة غزيرة التكوين من مخرج يعرف جيدا كيفية تكوين الكادر وتوظيفه سينمائيا، وعبر أقل عدد ممكن من الجمل الحوارية. ولا عجب أن حفلة عرض الفيلم كانت الأكثر إزدحاما من قبل صناع السينما والمهتين بها. كذلك كانت الندوة التي تلت العرض بمشاركة (إيليا سليمان) نفسه أهم فعالية شهدها الاسبوع نظرا لأهمية ما قيل خلالها.

رابعا.. لأول مرة أشاهد تحفة (يسري نصر الله) المبهرة (باب الشمس – الرحيل) بالنسخة الكاملة داخل قاعة للسينما. وكان للفيلم نفس ردة الفعل التي صاحبته منذ عرضه الأول لدى جميع الحاضرين. الجميع يجلس في مكانه محدقا في تترات النهاية غير قادر على الحديث أو التحرك من كرسيه. متعة مشاهدة النسخة الكاملة التي تتخطى الساعتين والنصف تجعلني أفكر في العبقري صاحب قرار صنع هذه النسخة المبتورة التي تذيعها قنوات الأفلام العربية!


خامسا.. (بيدرو المودوفار) يحاول أن يقلد (بيدرو المودوفار).. الوصف السابق جاء على لسان الناقد الكبير (رفيق الصبان) خلال الندوة التي تلت عرض فيلم المخرج الأسباني الأحدث (الأحضان المتكسرة). وأراها تعبيرا مثاليا لوصف الفيلم الذي سيعجب بشدة كل من لا يعرف جيدا سينما (المودوفار). أما محبي المخرج الكبير والخبراء بأسلوبه وأفلامه فسيجدون الفيلم عاديا جدا قياسا لأفلام مخرجه السابقة. بل أنهم سيشعرون بهذه الرغبة من المخرج لأن يؤكد أنه هو صاحب العمل بالتأكيد المبالغ فيه على جميع التفاصيل اللونية والبصرية والاقتباسات من تاريخ السينما العالمية الذي اعتاد (المودوفار) أن يفعله بشكل أكثر رقة في أعماله السابقة. ملاحظة في الجنب: بينولوبي كروز تقلد أودري هيبورن.. أعتقد مفيش حاجة ممكن تكون أجمل من كده.


سادسا.. توفيق صالح هو أحد أكثر المخرجين تعرضا للظلم في تاريخنا السينمائي. سواء لتوقفه عن العمل أو لعدم ذكره ضمن قوائم أهم المخرجين المصريين. كنت أملك القناعة السابقة من قبل ولكني تأكدت منها عندما شاهدت فيلم (المخدوعون) ضمن فعاليات أسبوع السينما الفلسطينية. وهو الفيلم الذي طالما رغبت في مشاهدته وتخوفت من أن أكتشف عدم تناسب جودته مع روعة الرواية المأخوذ عنها (رجال في الشمس للأديب غسان كنفاني). الفيلم جاء جيدا جدا وإن عابه اختلاف تفصيلة هامة في مشهد النهاية عن مثيلتها في الرواية (قيام الأبطال بالدق على جدران الخزان).. وهي تفصيلة غيرت بشدة من رسالة الفيلم السياسية. ولكن يبقى العمل ككل جيدا جدا ويستحق المشاهدة. ملاحظة في الجنب: كان سيفرق جدا مع هذا الفيلم أن يتم تصويره بالألوان. التي كانت ستساعد في توصيل شعور الحرارة الشديدة بصورة أكبر مما ظهر في البيض والأسود.

سابعا.. أحبطني مستوى فيلم (بالألوان الطبيعية) آخر فيلم يعرض تجاري خلال عام 2009. لا لأنه فيلم سيء فهو بالفعل أفضل من معظم أفلام العام. ولكنه لأنه أقل بكثير من مستوى الأفلام الثلاثة السابقة لمخرجه (أسامة فوزي). سأتناول الفيلم بشكل مفصل في تدوينة تالية ولكني وجدت أنه من الضروري أن أسجل انطباعي الأول عن الفيلم.

ثامنا.. تخطيت منذ فترة طويلة شعور المعجب الذي يبهره مشاهدة النجوم الذي يحبهم بالقرب منه. ولكن مقابلة إيليا سليمان ويسري نصر الله ومحمد خان وخيري بشارة ووحيد حامد وتوفيق صالح عدة مرات خلال أيام قليلة أعادتني مجددا لهذا الشعور ولو للحظات قليلة.

Monday, November 30, 2009

محمود كامل وادرينالين وعزبة آدم..عن مخرج لا زال يبحث عن الإيقاع السليم

أحد أهم العناصر التي يجب أن يتمتع أي مخرج بالقدرة على التحكم فيها وتطويعها هو عنصر الإيقاع. فاختيار الإيقاع الخاطئ يمكن أن ينسف أي فيلم من أساسه. وهو أول ما بدر لذهني عندما شاهدت خلال أقل من شهر فيلمي المخرج محمود كامل الثاني والثالث (أدرينالين) و(عزبة آدم). والحقيقة أن الاستنتاج النهائي لمشاهدة العملين وربطهما بالعمل الوحيد السابق للمخرج (ميكانو) يجعلني أعتقد بشدة أن حظ محمود كامل من الأدوات الإخراجية لا يوازي إطلاقا حظه مع شركات الإنتاج والتوزيع!

فالمخرج الذي حقق رقما قياسيا في القرن الجديد باعتباره أول مخرج يعرض له تجاريا ثلاثة أفلام خلال عام واحد أثبت في كل عمل من الثلاثة عدم امتلاكه للرؤيا الخاصة باختيار إيقاع مناسب لأحداث الفيلم. ففيلمه الأول (ميكانو) جاءت أحداثه مترهلة بعض الشيء وإن كان سيناريو وائل حمدي الجيد قد استطاع أن يخرج بالفيلم لبر الأمان، ويجعل الناتج النهائي مقبولا جدا.

إلا أن المشكلة ظهرت بشكل واضح في (أدرينالين) الذي لم يكتف مخرجه بعيوب السيناريو المهلهل، ومحاولة إدخال ميتافيزيقي بالقوة للفيلم، وكارثة ظهور الجاني من خارج الحكاية في الربع ساعة الأخير, ولكنه أكمل المأساة باختيار إيقاع شديد البطء لدرجة الملل. لدرجة جعلت من الممكن حذف نصف ساعة كاملة من فيلم لا تتخطى مدته الساعتين إلا ربع دون أن يشعر المشاهد بأي مشكلة!


عناصر المأساة اكتملت بفيلم (عزبة آدم) فعلى العكس تماما من (أدرينالين) فالسيناريو هنا يحمل نواة لفيلم جيد المستوى، وهو سيناريو ملحمي به العديد من الشخصيات التي تربط بينها علاقات ومصالح مختلفة ومتداخلة. وسيناريو من هذا النوع يحتاج بشدة لإيقاع بطيء لكي يبرز هذه العلاقات، ويشبع شعور المتلق بالحدث حتي يمكن الانطلاق من هذا التشبع لوقوع حدث جديد مبني على سابقه. وإذا بالمخرج يختار إيقاعا سريعا للأحداث. وسريع هنا هو الكلمة السحرية التي قضت على أي شبهة توحد بين المشاهد وأبطال الحكاية. فمن غير المنطقي تماما أن يعرف المشاهد لأول مرة أن البطل يعرف البطلة في مشهد، ثم يعرف أنهما يحبان بعضهما حبا عفيفا في المشهد التالي، وأن الضابط يقف في طريق هذا الحب في المشهد الذي يليه. ثم تأتي عملية سرقة سريعة تستغرق خمس دقائق تليها بمؤامرة سريعة أيضا تنتهي بالزج بالبطل في السجن في تهمة لم يرتكبها. كل هذا الكم من الأحداث فيما لا يتعدى الربع ساعة. ثم نطلب من المشاهد أن يتوحد مع البطل ويشعر بمأساة التفريق بينه وبين حبيبته. هو أمر متعارض مع قواعد السينما ومع آليات عمل العقل البشري من الأساس.

على هذا المنوال تسير أحداث الفيلم بشكل لاهث. صداقات وعداوات، اتفاقات ومؤمرات، وابطال يغيرون اتجاهاتهم الفكرية وعلاقتهم ببعضهم بصورة مستمرة. العديد والعديد من الأحداث تمر بسرعة أكبر بكثير من قدرة أي متفرج على الهضم والاستيعاب. ليتحول الأمر في النهاية من سيناريو كان من الممكن أن يصبح عملا هاما إلى فيلم أكشن متوسط المستوى.

أتمنى أن يتعلم محمود كامل من تجربة الأفلام الثلاثة. وأن تكون أخطاءه نابعة من كونه بدأ بشكل أسرع مما يجب أن يكون عليه أي مخرج يتلمس طريقه ويحاول إيجاد شكل خاص به. وأن يتغلب في عمله الرابع (الذي اعتقد أنه سيعرض خلال العام القادم) على هذه المشكلة الخطيرة التي قد تتسبب في إهدار موهبة إخراجية شابة.

Sunday, October 11, 2009

Rachel Getting Married (2008)


مثال عبقري لقدرة السيناريو الجيد على صنع المعجزات. فيلم تكلفة إنتاجه اقل بكثير من بعض الأفلام المصرية. أحداث تدور في حيز مكاني وزماني شديد الضيق. ولكن السيناريو العبقري المليء بالمشاعر، والتمثيل المُرعب من الجميلة "آن هاثاوي" كان كفيلا بجعله عمل يستحق الترشح للأوسكار.

Love Actually (2003)

شديد الرقة.. شديد العذوبة.. بالفعل نحن بحاجة من وقت لآخر لشيء بعيد عن البكائيات والندب على الوضع الحالي الذي نعلم جميعا أنه زي الزفت. نحن بحاجة لفيلم يذكرنا أن الحب لا يزال موجودا.. وأن البشر من الممكن أن يكونوا بهذا الجمال ولو للحظات قليلة.

Cougar Club (2007)


فيلم مقزز.. ليس لاحتواءه على كل هذا القدر من العري (فالمفترض أنه ينتمي لنوع من الكوميديا يعتمد على ذلك).. ولكن لسوء توظيف هذه المشاهد، واقحامها بالقوة في سيناريو ضعيف بالأساس. مع طاقم تمثيل سيئ، ونهاية عجيبة، يليها تتابع ختامي أعجب يجمع كل مشاهد العري بالفيلم. يصبح المكان المثالي لمثل هذا الفيلم هو صفيحة القمامة.

Saturday, October 3, 2009

الديكتاتور.. والسينما على طريقة السيت كوم


وضع كتاب الدراما الأمريكية خلال العقود الأربعة الماضية أساسيات لمسلسلات كوميديا الموقف الشهيرة باسم "سيت كوم". وهي أساسيات تتعلق بطبيعة بناء الشخصيات، وبطريقة تحريك الحكاية بشكل عام. فمسلسل السيت كوم يبدأ دائما بحلقة تمهيدية Pilot. يتم فيها التأسيس للشخصيات الرئيسية في الحكاية. وهذا التأسيس لا يكون نفسيا بقدر ما يكون تركيزا على الصفة الغالبة لكل شخصية، والتي سيتم التنويع عليها طوال حلقات المسلسل بشكل كوميدي. وليس من المصلحة أن يتم الكشف عن خبايا الشخصيات في الحلقات الأولى. باعتبار أن كل معلومة جديدة عن أي شخصية رئيسية يمكن تقديمها في حلقة أو حلقات تالية بدلا من حرقها في الحلقة التمهيدية. وتسير أحداث المسلسل بإيقاع بطئ قد يصل أحيانا لعدم تطور الأحداث لعدة حلقات، فالمهم هو الكوميديا لا الدراما. مع التنويع كما قلت على الصفات الكوميدية الرئيسية لكل شخصية، والاستعانة ببعض ضيوف الشرف كعامل مساعد لهذا التنويع. وعادة لا يحدث أي تغيير في هذه الصفة الرئيسية مهما سببت لصاحبها من مشاكل. باعتبار أن استمرارها هو ضمان لاستمرار الكوميديا في هذه النوعية من الدراما التي قد تستمر لمئات الحلقات.

يمكنك ببساطة شديدة أن تطابق الفقرة السابقة على سيناريو فيلم (الديكتاتور) لتتفهم مدى تأثر كاتبه "ميشيل نبيل" بحقيقة كونه أحد أشهر كتاب السيت كوم في مصر. فلدينا مشاهد تأسيسيه في بداية الفيلم تركز على أن الرئيس غير متزن نفسيا يتخذ قرارت الغير وينسبها لنفسه. وكبير ياورانه منافق يتقبل الاهانات مقابل بقاءه في منصبه. والابنان أحدهما فاسد أخلاقيا يدمن الخمر والجنس، والآخر فاسد ماديا يدمن بيع مؤسسات الدولة. هذه الصفات ستستمر مع الأبطال حتى نزول تترات النهاية.. لدرجة تجعلك غير قادر على تمييز البطل الأساسي للحكاية والذي يفترض في قواعد السيناريو أن تشهد شخصيته تطورا ما مع تطور الحكاية.

ولدينا مجموعة من الاسكتشات الكوميدية التي تلعب كلها على وتر الصفات المميزة للشخصيات الأساسية الأربعة المذكورة بالفقرة السابقة. مع الاستعانة ببعض ضيوف الشرف خلال هذه الاسكتشات مثل إدوارد وضياء الميرغني وفاروق فلوكس. دون أن يؤثر ظهورهم بأي شكل من الأشكال على تطور الأحداث. ولدينا شريط سينمائي تقترب مدته من الساعتين لا يوجد فيه أي تطور حقيقي سواء في سير الأحداث أو العلاقات بين الشخصيات. حتى أن التطور الوحيد الذي حدث في منتصف الفيلم تقريبا بقيام الثورة وخلع الديكتاتور من الحكم. قد تم تداركه في المشاهد الأخيرة باستعادته للسلطة من جديد دون أن تؤثر تجربة الخلع والتعذيب والجوع بل والاقتراب من الموت عليه بأي صورة من الصور!

الطريف أن صناع الفيلم لم يكتفوا باستخدام قواعد غير سينمائية غير صالحة لصنع عمل سينمائي. بل زادوا الأمر سوءا بادخال عنصرين من أهم عناصر سينما المقاولات. العنصر الأول هو العري عبر أغنية أداها خالد سرحان بشكل مفاجئ ودون أي مغزى درامي.. اللهم إلا أن يغنيها وحوله ما يزيد عن 20 فتاة بملابس البحر!. العنصر الثاني هو المطربة الجميلة متمثلا في شخصية مايا نصري والتي كانت أسوأ ما في الفيلم دون منازع. شخصية بدون أي أبعاد تقريبا. لم تتأثر أو تؤثر في أي شخصية أخرى. وحتى الصفة التي حاول صناع الفيلم إظهارها عليها بحب الوطن والحق والعدل لم يتم توضيحها.. بل أنها تصرفت في عدة مواقف بشكل يتناقض تماما مع هذه الصفة. هذا بالإضافة بالطبع لأداءها لأغنيتين بدون داع.. إحداهما استمرت على الشاشة لما يزيد عن الأربعة دقائق تقوم خلالها المطربة بالغناء بينما يقف البطل بجوارها سعيدا ومبتسما!

توسمت في الديكتاتور أن يكون الوحيد بين أفلام العيد الذي يحمل "رائحة السينما". ولكن ما شاهدته لا يرقى لأن يكون فيلما من أفلام المقاولات الشهيرة في ثمانينات القرن الماضي.

Wednesday, August 19, 2009

Annie Hall (1977)


اعتبر سينما "وودي ألين" هي المعادل الموضوعي لسينما "يوسف شاهين" في هوليوود. فكل منهما يملك عالمه السينمائي الخاص الشديد التشابه مع عالم الآخر. فكلاهما يصنع أفلاما تجسد العالم من منظوره الخاص، وتحمل بداخلها كل هواجس نفسه وخباياها الفكرية أو حتى الجنسية. وكلاهما متأثر بفترة طفولته وعلاقته بوالديه وعلاقة والديه ببعضهما بشكل يظهر في معظم الأفلام، وكلاهما يجعل الشخصية الرئيسية لمعظم الأفلام شديدة الشبه بالمخرج نفسه سواء في الأفكار أو الرغبات أو حتى طريقة الكلام. وكلاهما أسير المدينة التي تربى بها.. فترى الأسكندرية حاضرة دائما في عالم "شاهين" بنفس الصورة التي تجد بها نيويورك في عالم "ألين".

كما يتميز "ألين" و"شاهين" بوعي إخراجي وإدراك كامل لقيمة الصورة والتكوين في لغة السينما. فمشاهدة الصورة في أفلام كل منهما تعد وحدها تجربة ممتعة بغض النظر عن مستوى الفيلم. ويمتاز المخرجان بالاقتناع الكامل بأراءهم الشخصية وطريقة حياتهم لدرجة تصل أحيانا للتعصب في فرض الرأي. وهو الأمر الذي جعل موقف الجمهور منهما يكاد يكون واحدا. فستجد دوما من هو متعصب لهما لدرجة التقديس، ومن يتعصب ضدهما لدرجة الكراهية. فمشاعر الناس نحوهما دائما متطرفة كما هي مشاعرهما التي تظهر على شرائط الأفلام.

وفيلم (آني هول) بالإضافة لكونه عمل "وودي ألين" الأيقوني الأشهر.. فهو أكثر أفلام مخرجه تشابها بل تماثلا مع أعمال "شاهين". يمكنك هنا أن تطبق كل الصفات التي ذكرناها بالأعلى على الفيلم. ستجد صورة ممتعة شديدة التكثيف في العناصر التي تحملها، وحكاية تحمل الكثير من رواسب الحياة الشخصية لألين وتربيته في أسرة يهودية أمريكية، ومتاعبه الجنسية التى لا علاقة لها بقدرته الجنسية.. بل تتعلق برؤيته وتحليله للجنس بصورة تمنعه أحيانا من الاستمتاع بالفعل نفسه. ستجد البطل يتحدث بالطريقة المميزة لألين/شاهين الساخرة والمتقطعة الأفكار والجمل. وستجد رغبة كبيرة في تكسير الصورة المعتادة بفيلم السينما الكلاسيكي عبر استخدام تكنيكات غير معتادة ككسر الإيهام للتحدث مع المشاهدين، أو توجيه السؤال لبعض الشخصيات عن حقيقتها الداخلية، أو تقسيم الشاشة لتعرض مشهدين مختلفين في نفس الوقت.

المحصلة هي فيلم متميز.. هو الصورة الأكثر اكتمالا لقضية الرجل النيويوركي الذي يعيش أزمة منتصف العمر، والتي طالما شغلت بال "ألين" كما ظهر في عدد كبير من أفلامه. وهو العمل الذي لا يمكنك أن تدعي معرفة الكثير عن سينما مخرجه دون أن تشاهده.

Monday, August 17, 2009

Wag The Dog (1997)

"لماذا يهز الكلب ذيله؟
- لأن الكلب أذكى من ذيله.. فلو كان الذيل أذكى.. لهز الذيل الكلب
"

يبدأ الفيلم بكتابة السؤال والإجابة السابقين. وهما يلخصان بعبقرية ما أراد صنع الفيلم قوله على عدة مستويات. والمعنى ببساطة أننا لا نتحكم في الأشياء التي نصنعها لمجرد أننا صنعناها.. بل لأننا أذكى منها.. وإذا انقلبت الآية وتفوقت هذه الأشياء علينا في الذكاء.. فسيكون بإمكانها أن تتحكم في صناعها وتغير مصائرهم. الطرح السابق يمكن تطبيقه في (Wag The Dog) على ثلاثة مستويات..

المستوى الأول: مستوى الحكاية الرئيسية

حكاية شديدة الغرابة والطرافة.. قبل انتخابات الرئاسة الأمريكية بأحد عشر يوما، وفي الوقت الذي يتقدم فيه الرئيس الحالي الاستطلاعات بفارق مريح.. تتهمه أحدى الفتيات بمحاولة التحرش بها جنسيا. وهو الاتهام الكفيل بتدمير شعبيته والإطاحة به من البيت الأبيض. خاصة وأنه لا يوجد وقت للتحقيقات وإثبات مدى صحة الاتهام. فيتوصل أحد مساعدي الرئيس "روبرت دي نيرو" لخطة عبقرية للتغلب على الأزمة.

يمتلك الرئيس شعبية عالية بالفعل، وكل ما يتطلبه الأمر هو الحفاظ على هذه الشعبية لأحد عشر يوما هي الباقية قبل الانتخابات. فالحل الوحيد للتغلب على الكلب (الرأي العام الأمريكي هنا) هو أن تجعله يصنع بنفسه ذيلا أذكى منه. ليتحكم هذا الذيل في الرأي العام ويوجه أنظاره بعيدا عن فضيحة الرئيس الجنسية. ولا يوجد ما هو أضخم من انتهاك الأمن القومي بصورة خطيرة تجبر الولايات المتحدة على دخول حرب. وبالفعل يستعين المساعد بمنتج هوليوودي شهير "داستن هوفمان" ليبدءا معا رحلة خلق حرب كاملة في عالم الخيال. معتمدين فيها على حقيقة أن الشعوب تتذكر أجواء ورموز وشعارات الحروب أكثر مما تتذكر الحرب نفسها!.. ما عليك إلا أن تختلق الأزمة، وتغرق الشارع الأمريكي بأغاني وشعارات للحرب، وتخلق لهم بطلا قوميا يشغل تفكيرهم.

تسير الخطة بالفعل. وتتعرض أثناء تنفيذها للعديد من العقبات التي يتغلب عليها المنتج بخبرته الطويلة. خاصة وأنه يتعامل مع الأمر باعتباره فيلما ضخما يشرف على صناعته. ونرى في المشاهد الأخيرة ما يؤكد نجاح الخطة ونجاح الرئيس في الانتخابات. بينما يجلس بعض المحللين يتحدثون عن سيطرة الإعلام والإعلانات على عقول الأمريكيين. قاصدين بذلك مجموعة الإعلانات السخيفة التي أنتجها فريق عمل الرئيس كدعاية إنتخابية له قبل وقوع الأزمة.

التطبيق السابق لقضية الفيلم يقترب بنا كثيرا من إطار رواية "جورج أورويل" الشهير (1984). والتي يتحدث فيها عن سيطرة الإعلام على عقول الناس. لدرجة تجعله يوجههم لاختيارات وأفعال وآراء معينة، وهم مقتنعون تمام الاقتناع بأنها أراءهم الشخصية. وهو التفسير الذي ذكره معظم من تناولوا الفيلم بالتحليل. وإن كنت أعتقد أن صناع الفيلم كانوا يقصدون مستوى آخر من التطبيق.

المستوى الثاني: مستوى بطل الحكاية


والبطل هنا هو المنتج الهوليوودي الشهير. والذي نستشف من كل الجمل الحوارية التي يتحد فيها عن عمله بصناعة السينما أن مشكلة حياته الأزلية هي كونه أذكى بكثير من الأفلام التي يقدمها ومن دوره في الصناعة كمنتج وممول. فنراه يسخر من عدم حصول أي فيلم من إنتاجه على جائزة الأوسكار بالرغم من كونه أحد أعضاء الأكاديمية مانحي الجائزة. ونراه يستغرب من عدم وجود جائزة أوسكار لأفضل إنتاج بالرغم من أن وجود جوائز لكل فئات العمل السينمائي. ويذكر بمرارة أن النقاد قد مدحوا الملابس في فيلمه الأخير ولم يتطرقوا لمن دفع ثمن هذه الملابس. فالبطل هنا يعاني من أزمة واضحة هي فقدان التقدير الكافي لشخص في قدر ذكاءه (وهو الذكاء الذي نراه بأنفسنا في قدرته على التعامل مع الأزمات في الفيلم).

نجد أن الحل الوحيد بالنسبة للمنتج أيضا هو أن يقدم ولأول مرة في حياته عملا أذكى منه. أي أن الكلب هنا هو صانع الأفلام التي لم يستطع اي منها أن يهزه. ولذلك يقدم على صنع هذا الفيلم السياسي الخيالي ليس حبا في الرئيس، ولا طمعا في المال (فهو لا يحتاجه بدليل تعليق المساعدة قبل ظهوره بأن قصره اكبر من البيت الأبيض)، ولا رغبة في المنصب الديبلوماسي الذي وعده به مساعد الرئيس. هو يريد أن يصنع فيلم حياته.. فيلم يشعره بالإبداع والتقدير الذي افتقده طوال حياته.

وبالفعل يتمكن من تحقيق حلمه فيصنع فيلما يغير تاريخ السياسة الأمريكية. حتى أنه قد وصف الخدعة في أحد المشاهد الأخيرة بأنها (أفضل فيلم قام بصناعته). ولكن الأزمة تظهر من جديد لأن الذيل (الخدعة) كان اذكى بكثير من صانعه. وذكاء الخدعة الشديد جعل البطل غير قادر على تنفيذ وعده بالحفاظ على سرية الأمر. فالذيل الذكي قد مسّ الجانب الأضعف في شخصية المنتج وهو الرغبة في التقدير. فلم يكن في استطاعته أن يسكت وهو يرى نجاحه العظيم ينسب لمجموعة من الإعلانات الدعائية السيئة. فأصر على إعلان المر رغم معرفته بأن هذا سيكلفه حياته.

والمشهد الأخير يلخص القضية والتي كانت هنا أشبه بالمأساة. فالخدعة التي فاقت صاحبها ذكاءا أدت لأن يذكر نبأ وفاته كخبر عابر لم يتعد بضعة ثوان. في حين بشاهد العالم كله جنازة عسكرية للشخص المجنون الذي صنع منه بطلا شعبيا أمريكيا. وأعتقد أن هذا التطبيق هو الذي أراده صناع الفيلم كما تشير المشاهد الأخيرة خاصة مشاهد تزامن جنازتي المنتج والبطل الشعبي. وهو أمر يقودنا بدوره إلى مستوى التطبيق الثالث.

المستوى الثالث: مستوى تلقي الفيلم

وهو الأمر الطريف في الفيلم. وهو أن حكايته والقضية التي يطرحها يمكن تطبيقها بحذافيرها على الفيلم نفسه، وعلى مستوى تلقي المشاهدين له. فالكلب هنا هو حكاية المنتج والتي أراد صناع الفيلم أن يقدموها كصورة لتحكم الشيء في مصير صانعه. والذيل هو الطريقة التي تم تقديم هذه الحكاية بها.

وقد جاء الذيل هنا (حكاية الحرب المختلقة) بشكل أذكى وأوضح من الكلب أو الخط المستهدف (حكاية المنتج). مما أدى لانصراف الجمهور عن الفكرة الرئيسية للفيلم وتعاملهم مع قضية الاعلام باعتبارها القضية الأساسية للفيلم.

وبغض النظر عن المستويات الثلاثة لفكرة الفيلم. يبقى (Wag The Dog) واحدا من أهم أفلام التسعينات. سواء على صعيد طاقم الأبطال، أو الحبكة الدرامية، أو الطرح الفكري للعمل.